لماذا لا نستطيع رؤية الإلكترون ؟

  • هل نستطيع رؤية كل الأشياء صغيرة القد بالمجهر الضوئي ؟

مجال رؤية الانسان محدود ليس فقط لأننا لا نستطيع رؤية بعض الأطياف الكهرومغناطيسية ، ولكن لأن بعض الأشياء المجهرية لا يمكن للعين المجردة رؤيتها مباشرة ، كمثال على ذلك الخلايا و الجراثيم و الفيروسات . ولهذا نضطر الى استعمال بعض الاجهزة المتطورة لتساعدنا على رؤية مثل هذه الاشياء المجهرية ، كالمجهر الضوئي مثلا ، الدور الذي يقوم به هذا المجهر هو قدرته على التقاط أكبر كمية ممكنة من الضوء الصادرة على ذلك الشيء المجهري وتكبير صورته ألاف المرات حتى تستطيع العين رؤيته بوضوح أو التقاط صورة له بواسطة كاميرا .

لكن هذا المجهر الضوئي له هو الآخر حدود فلا يمكنه مثلاً أن يجعلك ترى الذرة ، الالكترون ، البروتون و النوترون … لكن ما هو السبب الذي يجعل من هذا المجهر الضوئي غير قادر على إعطاء صورة لهذه الاشياء الصغيرة جداً التي ذكرناها ؟

يجب أن نعلم أولاً أن الضوء عبارة عن موجة كهرومغناطيسية ، تتميز بطول موجي وهذا الطول الموجي هو المسافة التي تقطعها الموجة في مدة زمنية جد صغيرة تسمى بدور الموجة ، كما أن الضوء يمكنه أن يتصرف كذلك كجسيم حسب فيزياء الكم . الطاقة التي يحملها الفوتون تتعلق بتردده واذا قلنا التردد فإننا نقول ضمنيا كذلك تعلقه بالطول الموجي حسب العلاقة التالية :

E = h.f

لدينا العلاقة التي تربط الطول الموجي بالتردد كالتالي :

λ = c/f

حيث c هي سرعة الضوء .إذن :

E = h.c/λ

ومنه نلاحظ أن طاقة الفوتون متناسبة عكسياً مع الطول الموجي مما يعني أنه كلما أصبح الطول الموجي للفوتون أصغر كانت طاقته أكبر .

نعود الى طرحنا السابق ، لماذا للمجهر الضوئي حدود ! لأنه من شروط انعكاس الضوء على جسم معين أن يكون قَدُ (طوله d) ذلك الجسم أكبر من أو يساوي الطول الموجي λ للضوء المنعكس عليه .

أي أنه يجب أن يكون :

d ≥ λ

لنعطي رتبة قدر كل من الذرة و الالكترون مقارنة مع الطول الموجي للضوء :

رتبة قدر الذرة هي تقريباً :

d₂≈10⁻¹⁰ m

رتبة قدر الالكترون هي تقريباً :

d₁ ≈ 10⁻¹⁵ m

لكن الطول الموجي للضوء المرئي بالعين محصور بين 400nm و 800nm تقريباً أي أنه :

λmin = 4.10⁻⁷ m

λmax = 8.10⁻⁷ m

إذن :

λmin >> d₁ و d₂

λmax >> d₁ و d₂

ومنه يتبين أن قدُ (طول) هذه الجسيمات (ذرات ، الكترونات …) صغير جداً مقارنة مع الطول الموجي للضوء المرئي و لهذا فلا يمكن للمجهر الضوئي أن يعطينا صورة لهذه الأشياء التحت مجهرية . الضوء يمر على مثل هذه الجسيمات الدقيقة دون أن ينعكس عليها ، فهو يمر عليها وكأنها غير موجودة أمامه أصلاً .

  • ما هو الحل اذن لرؤية هذه الجسيمات الدقيقة ؟

كان الحل امام العلماء هو استعمال موجات ذات طول موجي قصير جداً وقريب من طول هذه الجسيمات ، ثم يتم استعمال آليات أخرى لترجمة هذه الاشعة المنعكسة الى صور ، لأن هذه الاشعة سوف تكون خارج مجال رؤية الإنسان !

وقع الاختيار على الاشعة السينية (أشعة X) ذات الطول الموجي القصير و التي لا تدخل في الطيف المرئي من طرف العين ، هذا النوع من الاشعة هو الذي يستعمل في الميدان الطبي لتصوير الكسور التي تحدث على مستوى العظام ، لأن هذا النوع من الأشعة يستطيع اختراق اللحم دون أن ينعكس عليه . لكن هذه الاشعة لا تستطيع اختراق العظام بل تنعكس عليها مما يسمح للأطباء بالتقاط صور للعظام .

رتبة قدر الطول الموجي للأشعة السينية هي :

λ ≈ 10⁻¹¹ m

المشكل الذي وجده العلماء أن هذا النوع من الأشعة له طاقة عالية جداً ، لأن له طول موجي قصير كما سبق وأن فسرنا ذلك على كيفية ارتباط طاقة الفوتونات بالطول الموجي ، وهذا سوف يخلق مشكلة أخرى لدى العلماء .

المشكل الذي سوف يطرح هنا هو أن الضوء في حالة الموجات القصيرة يصبح تصرفه شبيه بالجسيمات لأن طاقته تصبح كبيرة ، لقد اختار العلماء موجات كهرومغناطيسية بطول موجي قريب من طول الذرة أو الالكترون لكي ينعكس عليهم ، لكن مشكل تصرف الضوء كجسيم سوف يجعل من هذا الانعكاس اصطدام بين جسيمين ، والذي هو جسيم الضوء مع الالكترون مثلا ، وهنا يكمن المشكل الحقيقي . ما كنا نتوقعه لن يحدث لأننا سوف نحصل فقط على اصطدام الشيء الذي سوف يجعل الالكترون يكتسب كمية حركة بعد سقوط اشعة X عليه (فوتون) .

و هنا سوف نصطدم مع المبدأ العظيم الذي وضع العالم هازينبرغ ، مبدأ عدم اليقين الذي ينص على أنه كلما زادت دقتك في تحديد موقع الجسيم قلت دقتك في تحديد سرعته و العكس صحيح . لأننا عندما نرسل اشعة X على الالكترون تصطدم معه وتكسبه سرعة قبل ان تعود منعكسة الى المستقبل الشيء الذي يجعل . صورة الاكترون المحمولة من طرف الفوتون غير حقيقية ، لأن الالكترون قد تحرك من مكانه بفعل الاصطدام مع الفوتون .

نلاحظ هنا انه كلما كان الطول الموجي للاشعة قصير كانت طاقته اعظم مما سوف يكسب الالكترون طاقة اعظم ، و الشيء الذي سوف يزيد من سرعته ومنه نقصان في دقة تحديد موقعه ! و اذا اردنا ان نحدد موقعه بدقة اكبر وجب استعمال اشعة بطاقة اقل و منه طول موجي اكبر اذن سوف نعود الى نفس المشكلة التي انطلقنا منها وهي ان الطول الموجي للاشعة سوف يكون اكبر من طول (قَدُ) الالكترون .

  • خلاصة

مبدأ هيزنبرغ يقول أنه مستحيل أن تعرف موقع وسرعة جسيم بدقة في آن واحد ، أي أنه كلما إزدادت دقتك في معرفة السرعة فقدت الدقة في تحديد الموقع و العكس بالعكس وهذا ما ينطبق على حالتنا .لكي نعرف موضع الالكترون يجب أن نستعمل طول موجي كبير للأشعة الكهرومغناطيسية ، الشيء الذي ينتج عنه ازدياد في سرعة الجسيم عند الاصطدام ومنه فقدان الدقة بشأن موضع الالكترون ، وهنا نسقط في فخ انه عوض أن نعرف مكانه بدقة نزيد في سرعته بسبب الاصطدام مع الفوتون ذو الطاقة الكبيرة .ولكن اذا ما اردنا ان نعرف سرعته بدقة يجب ان نقلل من طاقة الفوتون الساقط عليه ومنه استعمال طول موجي كبير للفوتون ومنه فقدان الدقة بشأن موضع الالكترون لأن اغلب الفوتونات سوف تمر على الجسيم دون ان تنعكس عليه .

مصطلحات :

  • Ordre de grandeur : رتبة قدر
  • Dimension : ُقَد
  • Microscope optique : مجهر ضوئي
  • Rayon X : أشعة إكس
  • Principe d’incertitude : مبدأ عدم اليقين

تحرير : شعيب المستعين Choaib El Moustaine

التدقيق اللغوي : هجر الناصيري ، نادية بوحفص .

choaib el moustaine

Read Previous

لماذا لا أحد يفهم فيزياء الكم حتى اللحظة ؟

Read Next

ماذا يعني فيزيائياً rotE = 0 ؟

3 Comments

  • Bon article 👍

  • مشكور على مجهوداتك و دائما تأتي بشروحات ذات مستوى عالي

    أحسنت (y)

  • جميل

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!